أبي منصور الماتريدي

468

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال « 1 » ، وكذلك

--> ( 1 ) للإمام حق أخذ الزكاة من المال الذي وجبت فيه . وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والخليفتان بعده يأخذون الزكاة من كل الأموال ، إلى أن فوض عثمان - رضي الله عنه - في خلافته أداء الزكاة عن الأموال الباطنة إلى ملاكها ، كما يأتي : ودليل ذلك قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] وقول أبي بكر - رضي الله عنه - : « والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لقاتلتهم على منعه » واتفق الصحابة على ذلك . ويجب على الإمام أخذ الزكاة ممن وجبت عليهم ، فقد صرح الشافعية بأنه يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ، ومنهم من يبخل . والوجوب هو أحد قولي المالكية ، واحتجوا بقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً . والذين رخصوا للإمام في عدم أخذ الزكاة من جميع الأموال أو من بعضها دون بعض ، إنما هو إذا علم الإمام أنهم إذا لم يأخذها منهم أخرجوها من عند أنفسهم ، أما لو علم أن إنسانا من الناس أو جماعة منهم لا يخرجون الزكاة فيجب على الإمام أخذها منهم ولو قهرا ، كما تقدم ؛ لأن الإمامة لحراسة الدين وسياسة الدنيا ، ومنع الزكاة هدم لركن من أركان الدين . حكم دفع الزكاة إلى الإمام العادل : المراد بالإمام العادل هنا من يأخذ الزكاة بحقها ، ويعطيها لمستحقها ، ولو كان جائرا في غير ذلك على ما صرح به المالكية . ومن دفع زكاة ماله إلى الإمام العادل جاز ، وأجزأت عنه اتفاقا . ولو كان بإمكانه دفعها إلى الإمام وتفريقها بنفسه فقد اختلف الفقهاء في ذلك : فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد ، وهو القديم من قولي الشافعي ، إلى التفريق بين الأموال الظاهرة ، وهي الزروع ، والمواشي ، والمعادن ، ونحوها ، وبين الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة والتجارات . فأما الظاهرة فيجب دفعها إلى الإمام ؛ لأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها ، ووافقه الصحابة على هذا ، فليس للمزكي إخراجها بنفسه ، حتى لقد صرح الشافعية بأنه لو أخرجها كذلك لم تجزئه . ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه ، كولي اليتيم . وأما زكاة الأموال الباطنة فقال الحنفية : للإمام طلبها ، وحقه ثابت في أخذ الزكاة من كل مال تجب فيه الزكاة ، للآية . وما فعله عثمان - رضي الله عنه - أنه فوض إلى الملاك زكاة المال الباطن ، فهم نوابه في ذلك ، وهذا لا يسقط طلب الإمام أصلا ، ولهذا لو علم أن أهل بلدة لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها . فأما إذا لم يطلبها لم يجب الدفع إليه . وقال المالكية والشافعية : زكاة الأموال الباطنة مفوضة لأربابها ، فلرب المال أن يوصلها إلى الفقراء وسائر المستحقين بنفسه . وذهب الحنابلة - وهو الجديد المعتمد من قولي الشافعي - إلى أن الدفع إلى الإمام غير واجب في الأموال الظاهرة والباطنة على السواء ، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقين مباشرة ، قياسا للظاهرة على الباطنة ، ولأن في ذلك إيصال الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه ، فيجزئه ، كما لو دفع الدين إلى غريمه مباشرة ، وأخذ الإمام لها إنما هو بحكم النيابة عن مستحقها ، فإذا دفعها إليهم جاز ؛ لأنهم أهل رشد . ثم قال الشافعية في الأظهر : الصرف إلى الإمام أفضل من تفريقها بنفسه ؛ لأنه أعرف بالمستحقين ، وأقدر على التفريق بينهم ، وبه يبرأ ظاهرا وباطنا . -